المحقق البحراني
112
الكشكول
الفجر إلى طلوع الشمس ، يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها الساهر ويفيق المغشي عليه ، جعلها اللّه في الدنيا رغبة للراغبين وفي الأخرى للعاملين لها دليلا واضحا وحجابا بالغا على الجاحدين المتكبرين التاركين لها . فصاح النصراني بأعلى صوته صيحة عظيمة ثم قال : بقيت مسألة واحدة واللّه لا سألتك مسألة لا تهتدي إلى الجواب عنها أبدا . فقال له أبي : سل فإنك حانث في يمينك . فقال : أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمر أحدهما مائة وخمسون سنة وعمر الآخر خمسون سنة ؟ فقال له أبي : ذلك عزير وعزيره ولدا في يوم واحد ، فلما بلغا مبالغ الرجال خمسة وعشرين عاما مر عزير على حمار راكبا على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وكان اللّه اصطفاه وهداه ، فلما قال : ذلك القول غضب اللّه عليه فأماته مائة عام سخطا عليه بما قال ، ثم بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه ، فعاد إلى داره وأخوه عزيره لا يعرفه فأضافه وبعث إليه ولد عزير وولد ولده قد شاخوا وعزير شاب في سن خمسة وعشرين سنة ، فلم يزل عزير يذكر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكرهم ويقولون ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور ؟ ويقول له عزيره : وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة ما رأيت شابا في عمر خمس وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيام شبابي منك ، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض ؟ فقال : عزير لأخيه عزيره أنا عزير سخط اللّه علي بقول قلته بعد أن اصطفانى وهداني فأماتني مائة سنة ثم بعثني لتزدادوا بذلك يقينا ان اللّه على كل شيء قدير ، وها هو وهذا حماري وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده اللّه لي كما كان ، فعندها أيقنوا فأعاشه اللّه بينهم خمسا وعشرين سنة ثم قبضه اللّه وأخاه في يوم واحد . فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما وقام النصارى على أرجلهم فقال لهم عالمهم : أجئتموني بأعلم مني واقعدتموه معكم حتى هتكني وفضحنى ، وأعلم المسلمين أن لهم من أحاط بعلومنا وعنده ما ليس عندنا ، واللّه لا كلمتكم من رأسي كلمة واحدة ولا قعدت لكم ان عشت سنة أخرى ، فتفرقوا وأبي قاعد مكانه وأنا معه ، ورفع ذلك الخبر إلى هشام بن عبد الملك ، فلما تفرق نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنا فيه ، فوافانا رسول هشام بالجائزة وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نحتبس لأن الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين أبي وبين عالم النصارى ، فركبنا دوابنا منصرفين وقد سبقنا يريد من عند هشام بن عبد الملك